الآلوسي
145
تفسير الآلوسي
وقرأ حنظلة " تسمع " مضارع أسمعت مبنياً للمفعول والله تعالى أعلم . ومن باب الإشارة في الآيات : * ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ) * ( مريم : 41 ) أمر للحبيب أن يذكر الخليل وما من الله تعالى به عليه من أحكام الخلة ليستشير المستعدين إلى التحلي بما أمكن لهم منها . والصديق على ما قال ابن عطاء القائم مع ربه سبحانه على حد الصدق في جميع الأوقات لا يعارضه في صدقه معارض بحال ، وقال أبو سعيد الخزاز : الصديق الآخذ بأتم الحظوظ من كل مقام سنى حتى يقرب من درجات الأنبياء عليهم السلام ، وقال بعضهم : من تواترت أنوار المشاهدة واليقين عليه وأحاطت به أنوار العصمة . وقال القاضي : هو الذي صعدت نفسه تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضة إلى أوج العرفان حتى اطلع على الأشياء وأخبر عنها على ما هي عليه ، ومقام الصديقية قيل : تحت مقام النبوة ليس بينهما مقام . وعن الشيخ الأكبر قدس سره إثبات مقام بينهما وذكر أنه حصل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه . والمشهور بهذا الوصف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وليس ذلك مختصاً به ، فقد أخرج أبو نعيم في المعرفة . وابن عساكر . وابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أبي ليلى الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الصديقون ثلاثة ، حبيب النجار مؤمن آل يس الذي قال : * ( يا قوم اتبعوا المرسلين ) * ، وحز قيل مؤمن آل فرعون الذي قال : * ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ) * وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه وهو أفضلهم * ( إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئاً ) * ( مريم : 42 ) الخ فيه من لطف الدعوة إلى اتباع الحق والإرشاد إليه ما لا يخفى . وهذا مطلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا سيما إذا كان ذلك مع الأقارب ونحوهم قال : " سلام عليك " هذا سلام الأعراض عن الأغيار وتلطف الأبرار مع الجهال ، قال أبو بكر بن طاهر : أنه لما بدا من آزر في خطابه عليه السلام ما لا يبدو إلا من جاهل جعل جوابه السلام لأن الله تعالى قال : * ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) * ( الفرقان : 63 ) * ( وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ) * ( مريم : 48 ) أي أهاجر عنكم بديني ، ويفهم . منه استحباب هجر الأشرار . وعن أبي تراب النخشبي صحبة الإشرار تورث سوء الظن بالاخبار ، وقد تضافرت الأدلة السمعية والتجربة على أن مصاحبتهم تورث القسوة وتثبط عن الخير * ( وأدعوا ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا ) * فيه من الدلالة على مزيد أدبه عليه السلام مع ربه عز وجل ما فيه ، ومقام الخلة يقتضي ذلك فإن من لا أدب له لا يصلح أن يتخذ خليلاً * ( فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب ) * كأن ذلك كان عوضاً عمن اعتزل من أبيه وقومه لئلا يضيق صدره كما قيل : ولما اعتزل نبينا صلى الله عليه وسلم الكون أجمع ما زاغ البصر وما طغى عوض عليه الصلاة والسلام بأن قال له سبحانه : * ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) * ( الفتح : 10 ) . " واذكر " أيها الحبيب " في الكتاب موسى " الكليم " إنه كان مخلصاً " لله تعالى في سائر شؤونه ، قال الترمذي : المخلص على الحقيقة من يكون مثل موسى عليه السلام ذهب إلى الخضر على السلام ليتأدب به فلم يسامحه في شئ ظهر له منه * ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) * ( مريم : 52 ) قالوا النداء بداية والنجوى نهاية ، النداء مقام الشوق والنجوى مقام كشف السر * ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) * قيل : علم الله تعالى ثقل الأسرار على